معظم العلامات «ثنائية اللغة» في الخليج هي في الحقيقة علامات أحادية اللغة ترتدي لغةً ثانية كزيٍّ عابر. النسخة الإنجليزية تنال كل الحبّ: ضبط المسافات، والشبكة، والعنوان الذكيّ. ثم يمرّرها أحدهم على مترجم، ويقلب التخطيط، ويسقط فيه أوّل خطٍّ عربيٍّ يأتي مع نظام إدارة المحتوى، ثم ينشرها. والنتيجة تُقرأ كقائمة طعامٍ للسيّاح. صحيحة تقنيًّا. ومهينة في صمت.
التصميم بلغتين على نحوٍ صحيح ليس مسألة ترجمة. إنه مسألة نظام. أنت تبني علامةً واحدة يجب أن تبدو أصيلة حين تُقرأ من اليمين إلى اليسار بالعربية، ومن اليسار إلى اليمين بالإنجليزية، دون أن تبدو أيٌّ من النسختين لاحقةً مُقحمة. وهذا يتطلّب نيّةً واعية في كل طبقة: الخطّ، والتخطيط، ونبرة الصوت، والبنية الخفيّة التي تجري تحت السطح.
المُماثلة ليست قلبًا للمرآة
الغريزة الأولى أن تأخذ التخطيط الإنجليزي وتعكسه للعربية. تمنحك CSS خاصيّة direction: rtl والخصائص المنطقيّة، وهذه تتكفّل بمعظم المماثلة البنيويّة مجّانًا: يتحرّك شريط التنقّل إلى اليمين، وتتبع الحشوات والهوامش اتجاه القراءة، وينعكس التدفّق البصريّ. جيّد. افعل ذلك.
لكن المماثلة هي حيث تبدأ الحرفة، لا حيث تنتهي. بعض العناصر يجب أن تنعكس: التنقّل، وأشرطة التقدّم، والاتجاه الذي يشير إليه السهم ليقول «التالي». وبعضها يجب ألّا ينعكس أبدًا: الشعارات، وأرقام الهواتف، وعلامات العلامة، وكل ما يحمل هويّةً لاتينيّة أو رقميّة مطبوعة في صميمه. أما التصوير فيحتاج إلى بصيرة؛ فالبورتريه الذي يواجه داخل الصفحة في اتجاهٍ ما يصبح مواجهًا للحافّة في الاتجاه الآخر. والرسوم البيانيّة التي تُقرأ كخطٍّ زمنيّ من اليسار إلى اليمين تغدو بلا معنى حين تُعكس، ما لم تُعِد التفكير فيها.
الانضباط أن تعامل كل عنصرٍ كقرار، لا كتحويلٍ آليّ. ابنِ رموز التصميم لديك بالخصائص المنطقيّة منذ البداية، margin-inline-start بدلًا من margin-left، كي يحمل النظام الاتجاه تلقائيًّا. ثم دقّق في الاستثناءات يدويًّا. أيُّ تخطيطٍ ثنائيّ اللغة لم يفتحه قارئٌ عربيّ في اتجاه اليمين-إلى-اليسار هو تخطيطٌ لم تفرغ منه بعد.
الخطّ حيث تستسلم أغلب العلامات
هنا الجزء الذي يفصل الجادّين عن الكسالى. للخطّ اللاتينيّ والعربيّ تشريحان مختلفان. العربية لا تعرف الحروف الكبيرة، وتصل حروفها، وتستقرّ على خطّ أساسٍ يتصرّف على نحوٍ مختلف، وتحمل ثقلًا بصريًّا أكبر بكثير لكل حرفٍ عند القياس نفسه. اضبط العربية بحجم متن نصّك الإنجليزيّ نفسه فستبدو مزدحمة وخافتة. تحتاج غالبًا إلى رفع العربية درجةً وإرخاء ارتفاع السطر.
الاقتران أهمّ من الانتقاء. الهدف وجهٌ لاتينيّ ووجهٌ عربيّ يتشاركان المزاج نفسه، والإحساس نفسه بالتباين، والدفء أو الهندسة نفسها، دون أن يتظاهرا بأنهما الخطّ ذاته. بعض العائلات باتت تُطلق قصّاتٍ عربيّة ولاتينيّة متطابقة مصمّمة معًا، وهي تجنّبك عناءً هائلًا. وحين تقترن بينهما بشكلٍ منفصل، احكم عليهما جنبًا إلى جنب بأحجامٍ حقيقيّة في جملٍ حقيقيّة، لا في نموذجٍ استعراضيّ. لا يليق بخطٍّ هندسيٍّ سانس في الإنجليزية أن يجاور نسخًا خطّيًّا يحسب نفسه في عرسٍ زفاف.
ثلاث قواعد تصمد أمام اصطدامها بالمشاريع الحقيقيّة:
- اضبط الخطّ في سياقه، لا في عزلة. عنوانٌ يشدو وحده قد يشاكس ترجمته. صمّم النسختين العربية والإنجليزية للمكوّن نفسه على اللوحة نفسها.
- احترم قرار الأرقام. الأرقام العربية المشرقيّة أو الأرقام الغربية خيارٌ للعلامة له تبعاتٌ حقيقيّة على النماذج والأسعار وأرقام الهواتف. قرّر مرّةً واحدة، وطبّق في كل مكان، وتأكّد أن خطوطك تحتوي فعلًا على المحارف اللازمة.
- اختبر السلاسل المُربكة. اسمٌ، وكلمةٌ مركّبةٌ طويلة، وسعرٌ بعملة. المواضع التي تنكسر فيها الأمور ليست أبدًا العنوان البطل.
النبرة ترجمةٌ للنيّة، لا للكلمات
تحمل العربية والإنجليزية المستوى اللغويّ على نحوين مختلفين. تتحمّل حملات التسويق الإنجليزية في الخليج، بل تكافئ، صوتًا مقتضبًا عفويًّا فيه شيءٌ من الجرأة. وهذه الجرأة نفسها إن نُقلت حرفيًّا إلى العربية قد تسقط ساخرةً أو نافرة، لأن العربية الفصحى تحمل رسميّةً لم يقصدها الإنجليزيّ، والعاميّة تحمل ألفةً لم يطلبها. والتورية الإنجليزية الذكيّة غالبًا لا توأم لها في العربية. وإجبارها على ذلك يُنتج جملةً صحيحةً وميّتة.
لذلك أنت لا تترجم السطر. تترجم النيّة وتعيد كتابة السطر. لهذا تفشل الترجمة الآليّة و«سنكلّف أحدًا في المكتب بها» معًا؛ إذ يُحسّنان للدقّة بينما المطلوب هو الرنين. أوجِز لكاتب المحتوى العربيّ كما أوجزت للإنجليزيّ: هذا هو الشعور، وهذا هو الجمهور، وهذا ما لن نقوله أبدًا. دعه يكتب عربيّةً يصدّق قارئٌ بحرينيّ أو سعوديّ أنها جاءت من إنسان، لا من إضافةٍ برمجيّة.
إن استطاع قارئٌ أصيل أن يميّز باللغة التي صمّمت بها أوّلًا، فأنت لم تبنِ علامةً ثنائيّة اللغة. بنيت علامةً واحدة وبديلها الاحتياطيّ.
ابنِ النظام، لا موقعين
الجواب العمليّ أن تصمّم رموزًا ومكوّناتٍ وقواعد تحتضن اللغتين كمواطنتين من الدرجة الأولى. منطق تباعدٍ واحد يحترم اتجاه القراءة. أنماط خطٍّ تحسب مسبقًا رفعة حجم العربية. مكوّناتٌ تُختبر في الاتجاهين قبل نشرها. نموذج محتوى تملك فيه كل سلسلةٍ نسختيها، دون أن تُوسم إحداهما بـ«الافتراضيّة». حين يستقيم النظام، تصبح إضافة حملةٍ عملَ يومٍ واحد، لا إعادة تفاوضٍ على العلامة كلّها.
التصميم الثنائيّ اللغة، حين يُتقن، لا يُرى. لا أحد يلاحظ أن العربية تبدو دون عناء؛ هم فقط يثقون بها. تلك الثقة هي الجائزة كلّها، ولا تكسبها إلا برفضك أن تعامل لغةً كأصلٍ والأخرى كنسخة. صمّم الاتجاهين وكأن كلًّا منهما بيت. لأن لنصف جمهورك، أحدهما بيتٌ حقًّا.